الغزالي
12
إحياء علوم الدين
وأربعة من الصناع موسومون عند الناس بضعف الرأي : الحاكة ، والقطانون ، والمغازليون والمعلمون . ولعل ذلك لان أكثر مخالطتهم مع النساء والصبيان ، ومخالطة ضعفاء العقول تضعف العقل ، كما أن مخالطة العقلاء تزيد في العقل ، وعن مجاهد أن مريم عليها السلام مرت في طلبها لعيسى عليه السلام بحاكة ، فطلبت الطريق ، فأرشدوها غير الطريق ، فقالت اللهم انزع البركة من كسبهم وأمتهم فقراء ، وحقرهم في أعين الناس . فاستجيب دعاؤها وكره السلف أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات ، كغسل الموتى ودفنهم ، وكذا الأذان وصلاة التراويح ، وان حكم بصحة الاستئجار عليه وكذا تعليم القرءان ، وتعليم علم الشرع ، فان هذه أعمال حقها أن يتجر فيها للآخرة وأخذ الأجرة عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة ، ولا يستحب ذلك الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة . وأسواق الآخرة المساجد . قال الله تعالى * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ ) * « 1 » وقال الله تعالى * ( في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه ) * ُ « 2 » فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته ، فيلازم المسجد ، ويواظب على الأوراد . كان عمر رضي الله عنه يقول للتجار ، اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم ، وما بعده لدنياكم . وكان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة ، والوسط للتجارة . ولم يكن ببيع الهريسة والرؤس بكرة الا الصبيان وأهل الذمة ، لأنهم كانوا في المساجد بعد . وفي الخبر [ 1 ] « إنّ الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أوّل النّهار وفي آخره ذكر الله وخير كفّر الله عنه ما بينهما من سيّئ الأعمال » وفي الخبر [ 2 ] « تلتقي ملائكة اللَّيل والنّهار عند طلوع الفجر وعند صلاة العصر فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي ؟
--> « 1 » النور : 37 « 2 » النور : 36